ثبتت الوقائع أن الهجوم الإيراني الأخير على القواعد الأميركية في الأردن يمثل أول مبادرة هجومية مباشرة من طهران في هذه الحرب، وأهمية ذلك تكمن في الرسالة السياسية والاستراتيجية التي يحملها، فإيران تبدو وكأنها تحاول الانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع المشارك في فرض إيقاع المواجهة، بعدما اعتبرت أن واشنطن نجحت خلال الأشهر الماضية في إدارة التصعيد وفق مبدأ "الضغط المحسوب"، أي رفع مستوى المواجهة عندما يخدم أهدافها، ثم خفضه عند الحاجة لإفساح المجال أمام المسارات السياسية أو حماية المصالح الاقتصادية والعسكرية الأميركية.
تؤكد طهران، وفق تصريحاتها، أنها لم تعد مستعدة للسماح باستمرار هذه المعادلة، بعد الجولة القتالية الأخيرة التي خاضها الأميركيون رغم توقيع مذكرة التفاهم، لأن أميركا بدأت تستنزف إيران وتفاوضها تحت النار وكأنها تمسك زمام المبادرة الكاملة، وهذا ما تريد إيران تغييره.
الرسالة الإيرانية تتجاوز استهداف قاعدة عسكرية بعينها، فهي تقوم على فكرة أن امتلاك القدرة على المبادرة يمنح إيران أوراقاً تفاوضية أكبر، ويمنع الولايات المتحدة من الاحتفاظ باحتكار قرار توقيت الحرب والسلم، فمنذ بداية المواجهة الحالية، كانت واشنطن تعتمد سياسة الضربات المحدودة التي تستنزف القدرات الإيرانية أو قدرات حلفائها دون الانزلاق إلى حرب شاملة، فيما كانت طهران في معظم الأحيان تختار الرد ضمن سقوف مدروسة. أما اليوم، فإن المبادرة الإيرانية توحي بأن القيادة الإيرانية باتت ترى أن استمرار هذا النمط سيؤدي تدريجياً إلى استنزافها سياسياً وعسكرياً، ولذلك قررت بدء محاولة إعادة رسم قواعد الاشتباك، وهذا يحتاج إلى إرادة وتحمل وتكرار.
كما أن اختيار القواعد الأميركية يحمل دلالات مختلفة عن استهداف إسرائيل مباشرة، فإيران تسعى إلى تحميل واشنطن كلفة استمرار الحرب، باعتبارها الفريق الذي يوفر الغطاء العسكري والسياسي لإسرائيل، وفي الوقت نفسه تحاول الفصل بين الضغط على الولايات المتحدة وبين تجنب إعطاء إسرائيل ذريعة لتوسيع الحرب نحو أهداف استراتيجية داخل العمق الإيراني. ومن هنا يمكن فهم الحرص الإيراني، في كثير من المحطات، على تنفيذ عمليات تحمل رسائل قوية، لكن ضمن حسابات دقيقة ترفع الضغط ولا تؤدي للانفجار الكامل، ولكن هذه الاستراتيجية تنطوي أيضاً على مخاطر كبيرة، فالولايات المتحدة، وخصوصاً إدارة الرئيس دونالد ترامب، قد تنظر إلى استهداف قواتها ابتداءً، باعتباره تجاوزاً لخطوط حمراء يستوجب ردًّا يعيد ترميم قوة الردع الأميركية، إذ ليس سهلاً أن يبادر أحد في العالم إلى استهداف الأميركيين.
وفي هذا السياق، تشير التطورات الأخيرة إلى أن واشنطن بدأت بالفعل بتنفيذ ضربات على جماعات حليفة لإيران في العراق بالتنسيق مع السعودية، في رسالة مضادة مفادها أن أي استهداف للقوات الأميركية سيقابله توسيع لدائرة الضغط على الحلفاء الإيرانيين في المنطقة.
من هنا، تبدو المنطقة أمام ثلاثة مسارات رئيسية. المسار الأول هو العودة إلى معادلة "الرد مقابل الرد"، حيث تنفذ إيران ضربات محدودة، وترد الولايات المتحدة بضربات مماثلة ضد إيران أو ضد فصائل أو مواقع حليفة لإيران، مع حرص الفريقين على منع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
أما المسار الثاني، فهو أن تعتبر واشنطن أن إيران تجاوزت سقف الرد المقبول، فتقرر الانتقال إلى استهداف البنية العسكرية الإيرانية بصورة أوسع، بما يشمل قواعد الصواريخ، ومراكز القيادة، وربما منشآت استراتيجية مرتبطة بالحرس الثوري، أو استهداف البنية التحتية المدنية كما يتمنى نتانياهو، عندها ستكون طهران أمام خيار الرد المباشر، وهو ما قد يدفع المنطقة إلى مواجهة إقليمية مفتوحة يصعب احتواؤها، خصوصًا إذا توسعت دائرة الاشتباك إلى مضيق هرمز أو البحر الأحمر أو الساحات العراقية واللبنانية واليمنية.
ويبقى المسار الثالث، وهو الأكثر تعقيدًا، أن يكون التصعيد نفسه جزءاً من عملية التفاوض، ففي كثير من الأزمات السابقة، استخدمت إيران والولايات المتحدة التصعيد العسكري لتحسين شروط التفاوض.
يبحث كل فريق عن محاولة رفع كلفة استمرار الحرب على الآخر قبل العودة إلى طاولة التفاوض، وإذا صح هذا التقدير، فإن الضربات الأخيرة قد تكون محاولة إيرانية لفرض معادلة جديدة عنوانها أن أي تفاوض مستقبلي يجب أن يتم بين فريقين يمتلكان قدرة متبادلة على فرض الشروط وتحديد مسار المعركة ورسم الإيقاع.































